اسماعيل بن محمد القونوي
258
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والتفصيل لقوله أكد بقوله ( ومنكرها ) قوله ( ووصفهم ) أراد به الوصف مآلا لأن الظاهر أن قوله : لا يُبْصِرُونَ [ البقرة : 17 ] حال من المفعول الأول والحال من المآل وصف وإن كان فرق بينهما في الجملة ولو حمل كلامه على ظاهره لاحتاج إلى تقدير عائد أي لا يبصرون فيها ولا هم أن بعض الظلمة ليس كذلك يلائم قوله الظلمة هي عدم النور وانطماسه بالكلية إلا أن يقال إن الوصف ليس للاحتراز بل لمجرد التأكيد وبهذا يأول قوله ( بأنها ظلمة خالصة ) ولو ترك قوله وانطماسه بالكلية لكان ذلك الوصف احترازيا كما هو الأصل في الأوصاف وأيضا إن للظلمة مراتب كثيرة كما نطق بها قوله تعالى : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ [ النور : 40 ] الآية كما أن للأضواء مراتب كثيرة ولو قيل منهم من جعل الظلمة شرطا لرؤية بعض الأشياء كالتي تلمع ويرى بالليل من الكواكب والشعل البعيدة ولا يرى في النهار وما ذلك إلا لكون الظلمة شرطا لرؤيته فيكون الوصف احترازيا قلنا إن هذا مردود « 1 » كما فصل في المواقف وشرحه . قوله : ( لا يتراءى ) أي بحيث لا يرى ( فيها ) شيء والتعبير بالتفاعل للمبالغة وأتى ( شبحان ) مثنى شبح بشين معجمة وباء موحدة مفتوحتين وحاء مهملة الشخص الذي يرى ولا يدرك تشخصاته لبعده كما إذا قيل متى رأيت شبحا من بعيد فكذا لأن المراد بهما الرائي والمرئي من شأنهما أن يرى أحدهما الآخر لكن فيه نوع خلل إذ الشبحان عدم رؤية أحدهما الآخر لبعدهما لا لكون الظلمة ظلمة خالصة وهذا ينافي غرض المصنف فالأولى أن يقال بحيث « إذا أخرج يده لم يكد يريها » كما في النظم الجليل . قوله : ( وترك في الأصل ) احتراز عما أريد هنا والفرق بين ( بمعنى طرح وخلى ) هو أن الطرح إلقاء الشيء ورميه من يده كطرح العصا من يده والتخلية أعم منه لأنه يصدق على عدم التفات الشيء وإن لم يكن في يده سواء كان محسوسا كترك دياره أو غيره كترك دينه ونقل عن الراغب ترك الشيء رفضه قصدا واختيارا أو قهرا واضطرارا انتهى . والترك الذي يترتب عليه المدح والذم ما هو اختياري وأن المتعارف في الاستعمال ما يكون بالقصد وما هو بالاضطرار والإكراه ينبغي أن يقيد به والنسيان داخل في الاضطرار وإلا فيرد النقض به وما نقل عن المصباح تركت المنزل تركا رحلت عنه وترك الرحل فارقته ثم استعير للمعاني فقيل ترك حقه إذا أسقطه يشعر بأن الترك حقيقة في المحسوس ومجاز في غيره خلاف ما فهم من كلام الراغب ( وله مفعول واحد ) . قوله : وله مفعول واحد يعني في الأصل يقال تركته بمعنى طرحته وخليته معدى إلى مفعول
--> ( 1 ) بأن ذلك ليس لتوقف الرؤية على الظلمة بل لأن الحس غير منفعل بالليل عن الضوء القوي كما في النهار فينفعل أي الحس عن الضوء الضعيف ويدركه ولما كان في النهار منفعلا عن ضوء قوي لم ينفعل عن الضعيف فلم يحس به وذلك كالهباء الذي يرى في البيت ولا يرى في الشمس إذ الضوء قوي في الشمس وضعيف في البيت .